وجهات نظر

الملكية الفكرية والانفاق على البحث العلمي

بقلم / وزير مفوض د. مها بخيت

 مدير إدارة الملكية الفكرية والتنافسية بجامعة الدول العربية

أزمة فايروس كورونا لفتت انتباه العالم أجمع إلى أهمية الدور الذي يقوم به الباحثين والعلماء والمخترعين. فجأة انتبهت جميع دول العالم إلى عدد الساعات الطويلة التي يقضيها العلماء والباحثون في مختبراتهم من أجل التوصل إلى اكتشاف لقاح أو دواء لعلاج فايروس كورونا. الجميع الأن في انتظار أن يخرج علينا باحث أو مبتكر أو مخترع ليبشرنا بأنه قد توصل إلى الدواء الفعال الذي سوف يقضي على هذا الفايروس اللعين حتى يستطيع أن يعود الناس إلى حياتهم اليومية.

إذاً نحن نتحدث عن البحث العلمي والابتكار, لأن الابتكار عامل أساسي في النمو الاقتصادي وفي إيجاد فرص عمل جيدة وفي توفير ظروف أحسن لمعيشة الناس من مأكل ومشرب وملبس وصحة وتعليم، والابتكار هو الذي تقاس به مقدرة الدول وقطاعاتها المختلفة سواء كانت قطاعات صحية أو زراعية أو صناعية أو تجارية على التنافس.

والابتكار هو العملية التي من خلالها يتم ابتكار الحلول للتحديات الصحية والاجتماعية والاقتصادية لأنه يبدأ بالفكرة التي تتبلور لتقدم الحل لمشكلة ما أو معضلة ما مثل هذا الفايروس الذي انتشر الآن في جميع دول العالم. إن الابتكار هو السبب الذي تأتي منه الملكية الفكرية. لأن الملكية الفكرية لا تأتي دون بذل المجهود الفكري والذهني وإن نظام الملكية الفكرية يقدم الإطار القانوني للدفاع عن حقوق والتزامات الباحثين والمبتكرين والمخترعين. وإن الدول التي لديها سياسة واضحة للابتكار وتشجيع البحث العلمي هي التي تنفق الآن الملايين من أجل أن يتوصل الباحثون إلى العلاج الناجع لهذا الفايروس. إذاً حل المشكلة يكمن في سياسة تشجيع الابتكار والبحث العلمي. ولقد أدركت أغلب دول العالم أنه لابد من الانفاق من الدخل القومي على تطوير التعليم والبحث العلمي لأنه من دون التعليم والبحث العلمي والابتكار لا يمكن أن تكون هنالك نهضة صحية أو اجتماعية أو اقتصادية.

والجميع يتفقون على أن الاختراع والابتكار والبحث العلمي يتأثر بالنمط التقليدي للتعليم لذلك سعت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إلى تحديث العملية التعليمية في الوطن العربي وذلك من خلال تبني خطة لتطوير التعليم في الوطن العربي والتي أقرتها القمم العربية المنعقدة في الخرطوم 2006 .وفي قمة الرياض 2007 تبنت  الجامعة العربية وضع خطة لتنمية البحث العلمي في عشر سنوات وذلك بزيادة الإنفاق على البحوث لنصل إلى 2.5% من ناتج الدخل القومي – وزيادة الإنفاق على التعليم لنصل إلى 7% وبالتأكيد على حق الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.

وفي قمة دمشق 2008 تم اعتماد خطة التعليم العالي 2008 – 2018 التي تتضمن زيادة نسبة الدارسين للعلوم والتكنولوجيا من 30% إلي 45% وزيادة المراكز البحثية وتشمل الخطة أيضاً تدريس علوم المستقبل – مثل النانو تكنولوجي والطاقة المتجددة وإنشاء منظمة لمراقبة التعليم العربي ومتابعة الخطة وذلك لتغيير النمط التقليدي للنظام التعليمي الذي هيمن على المنطقة العربية لسنوات طويلة بين الانغلاق والروتين والخروج إلى مرحلة جديدة نحو الانطلاق والمرونة اللازمة لانفتاح الكوادر العربية على العالم والتعامل مع الواقع بأسلوب العصر في إطار اكتشاف المبدعين والموهوبين منهم, على اعتبار أن قضايا الإبداع الفكري والموهبة العلمية تعد أساساً للتنمية والتطور وتعتبر أحد المقاييس التي تقاس عليها التنمية في المجتمعات المعاصرة.

وفي القمة الاقتصادية التنموية الاجتماعية  والتي عقدت بدولة الكويت 2009، تبنى إعلان الكويت الصادر عن القمة والذي تضمن ضرورة الاهتمام بالبحث العلمي ودعم ميزانيته وتيسير الوصول إلى المعرفة وتوثيق الصلة بين مراكز البحوث العربية وتوطين التقنية الحديثة وتشجيع ورعاية الباحثين والعلماء والاستفادة منهم.

وإدراكاً من القادة العرب بأهمية البحث العلمي والابتكار فقد اصدرت القمة العربية في سرت في دورتها 22 ( مارس2010 )، قرار بشأن الدفع بجهود البحث العلمي والتكنولوجي في الدول العربية وكُلِفت الامانة العامة لجامعة الدول العربية بالتنسيق مع المنظمات العربية المتخصصة المعنية بالبحث العلمي باتخاذ الاجراءات اللازمة لوضع استراتيجية للبحث العلمي والتكنولوجي في الدول العربية، وعليه صدرت الاستراتيجية العربية للبحث العلمي والتكنولوجي والابتكار في مارس2014، والتي تأتى تجسيداً لرؤية عربية موحدة للنهوض بالبحث العلمي والتكنولوجي والابتكار في الوطن العربي، اذ تهدف الى الوصول بمنظومة البحث العلمي في الوطن العربي الى المستوى الذى تساهم فيه مساهمة واضحة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال ربط البحث العلمي بالتنمية الاقتصادية، وتضمنت الاستراتيجية بنداً عن براءات الاختراع كأحد المصادر المهمة للمعلومات العلمية كونها مؤشراً اساسياً لأنشطة البحث والتطوير.

وهنالك عدد من المبادرات التي اطلقتها الدول العربية بهدف تعزيز البحث العلمي والابتكار ومن ابرزها اطلاق شِرعة اخلاقيات العلوم والتكنولوجيا في المنطقة العربية والتي أُطلقت ضمن فعاليات المنتدى العالمي للعلوم الذى عقد بمديمة بودابست بجمهورية المجر في نوفمبر 2019، وذلك بعد إجازتها والموافقة عليها من قِبل القادة العرب في القمة العربية في دورتها 30 التي عقدت في مارس 2019 بالجمهورية التونسية ، ليتم الاسترشاد بها ونشر مبادئها بالجهات البحثية في المنطقة العربية ، حيث تعتبر هذه الشرعة اطار أخلاقي يوجه العلم والتكنولوجيا التوجيه الصحيح بعيداً عن الممارسات غير الأخلاقية، وللملكية الفكرية دوراً محورياً في بنودها كونها جزء لا يتجزأ عنها باعتبارها عامل أساسي لحماية كافة الاطراف المعنية بإنتاج التكنولوجيا ونقلها وتسخيرها.

ذاً الوعي موجود عند كل الحكومات العربية بأهمية الابتكار والبحث العلمي والانفاق عليه ولكن أغلب هذه الدول تواجه تحديات عديدة مما يجعل الصورة تبدو غير واضحة للكثيرين وقد يعتقد كثير من الناس أن هنالك تقصير من الدول العربية أو الحكومات أو الباحثين ولكننا نجد هذا التحدي في أغلب الدول الأوروبية ودول أمريكا. وما الصرخة التي أطلقتها الباحثة الاسبانية قبل أيام والتي ذكرت أن بعض لاعبي كرة القدم يتقاضون مبالغ مالية تفوق أضعاف ما يتقاضاه الباحثون إلا دليل علي ذلك .

وهنا نجد لابد أن تفرق بين شيئين: إن لاعب كرة القدم هو شخص موهوب ومبدع ولديه مهارة معينة يحبها ويستمع بها جمهور واسع  في كل دول العالم ومن حق هذا اللاعب  أن يجني أموال وأرباح من  ثمرة مجهوده وموهبته. كما أن الباحث والمبتكر والعالم من حقه أن يجني أموال وأرباح نتيجة لمجهوده الفكري والذهني الذي يساهم في ابتكار الحلول للمشاكل الصحية والاقتصادية والاجتماعية والصناعية. والحل يكمن في تبني السياسات الصحيحة التي تدعم الباحث والبحث العلمي وهنا لابد أن أشيد بالدول العربية التي بذلت مجهودات مقدرة لدعم البحث العلمي والباحثين فنجد في جمهورية مصر العربية قد تم إصدار قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار لعام 2018 وهو يشكل دعم حقيقي للبحث العلمي في مصر لأنه يكفل حقوق الباحث وحقوق المؤسسة البحثية وحقوق الملكية الفكرية ويشجع على تسويق ونشر المنتجات العلمية وإدارة التكنولوجيا مما يؤدي إلى الوصول إلى اقتصاد مبني على المعرفة.

ونجد دول مثل المملكة العربية السعودية وتونس والمملكة الأردنية الهاشمية قد قامت بتبني سياسات داعمة للابتكار والبحث العلمي وأفردت جوائز للعلماء والباحثين وأقامت المعارض للمخترعين والباحثين.ونجد أنفسنا اليوم مجابهين بتحدي مطلوب فيه الابتكار. إذاً كما قال كثيرون من قبل أن الابتكار هو أن نكون أو لا نكون وأنه لا بديل لنا سوى الابتكار. لذلك كان عنوان التقرير العاشر للتنمية الثقافية الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي في عام 2018 هو الابتكار أو الاندثار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق