وجهات نظر

من جادة قباء..  إلى أحد (3)

جادة قباء التي رسمها واقعاً واسماً وتاريخاً صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة حفظه الله وتابع خطوات تنفيذها بخطط محكمة ومكونات مدروسة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن خالد الفيصل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة المدينة المنورة تعتبر تاريخاً ناطقاً بعمقها وفكرتها وأهدافها ومن خلالها تتجسد مواكب البطولات في مخيلة السائر بها..

فهي تختزن في داخلها وبين جنباتها تاريخ الدعوة الإسلامية منذ أيامها الأولى تمد السائر فيها بشتى الأمجاد الإسلامية لهذه الدعوة إذ كلما فكر وتخيل واسترجع أي صورة أو بطولة يجدها حاضرة أمامه بكل تفاصيلها بعمق خاص وطعم مميز…

فتروي لنا جادة قباء عن ساحات أحد بعد أن حمي الوطيس لبدء معركة أحد انطلق حامل لواء قريش أبو طلحة بن عثمان للمبارزة فتصدى له علي بن أبي طالب فقتله ثم تناول اللواء أخوه عثمان فقتله حمزة بن عبدالمطلب ثم برز أخوهما سعيد فرماه سعد بن أبي وقاص فقتله فتناول اللواء بعدهم أربعة من أبناء طلحة فقتلوا جميعاً ثم رفع اللواء من على الأرض غلامهم صواب فقتل فتلاحم الجيشان وما هي إلا ساعات حتى انهزمت قريش بصناديدها وقوتها أمام أسود أحد..  وقد أبلى الجيش الإسلامي في الساعات الأولى على قلتهم بلاءً حسناً وعلى رأسهم حمزة بن عبدالملطلب وأبو دجانة وغيرهم من بقية الصحب الكرام وهاهو البراء بن عازب يؤكد الهزيمة ويقول: (لما لقيناهم هربوا.. حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل قد رفعن عن سوقهن وبدت خلالهن وهن مدبرات هوارب..)…

وتروي لنا ساحات معركة أحد الكثير من صور البطولات والشجاعة في ذلك اليوم العظيم في تاريخ الإسلام..لقد تحقق النصر الكبير للمسلمين هاهو حنظلة بن أبي عامر يرى أبا سفيان أمامه على فرسه فيلحق به وهو هارب فيرميه ويعقر الفرس ويسقط أبو سفيان على الأرض وقبل أن يهوي حنظلة بسيفه عليه ضربه شداد بن أوس من خلفه فينجو أبو سفيان…

ولعل وصف الزبير بن العوام يؤكد هزيمة قريش في ذلك لولا إرادة الله ثم ترك الرماة لمواقعهم ونزولهم إلى الغنائم حيث يقول الزبير رضي الله عنه: (والله لقد رأيتني انظر خذم هند بنت عتبه وصواحبهن مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير..  إذ مالت الرماة إلى العسكر حيث كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل فأوتينا من خلفنا وصرخ صارخ .. ألا أن محمداً قد قتل فأنكفأنا وانكفأ القوم بعد أصبنا أصحاب اللواء حتى لا يدنو من أحد من القوم…

لقد تحقق النصر لجيش الإسلام في هذه المعركة وولى الأعداء هاربين كما قال الزبير بن العوام ولكن هروبهم وخلوا الساحة منهم أغرى الرماة الذين وضعهم الرسول على الجبل حيث تركوا أماكنهم لاعتقادهم بأن المعركة قد حسمت لصالح المسلمين حتى أن بعض المشركين استسلموا للأسرى وألقوا سلاحهم وامتعتهم وبعضهم جد في الهرب…

سقط لواء قريش على الأرض بعد سقوط عشرة من حملته وبقى على الأرض حتى أتت عمرة بنت علقمة الحارثية ورفعته بعد أن قتل حمزة بن عبدالمطلب أرطأة بن شرحبيل بن عبدمناف وسباع بن العزى وصار حمزة يهد الناس في المعركة ما يليق به شيئاً مثل الجمل الأورق كما يصف وحشي الذي يقول راقبت حمزة وكمنت له ليس لي غرض سواه فرميته بحربتي في (ثنته) فقتلته لأن سيدي جبير بن مطعن قد وعدني بعتقي إن قتلت حمزة بعمه طعيمة بن عدي الذي قتله حمزة يوم بدر…

وفي ساحة ميدان أحد وجيش مكة يفر من الميدان علا في الأفاق صراخ عمرو بن قميئة وهو يصيح ويقول:( لقد قتلت محمداً.. قلت محمداً..) فعاودت فلول قريش والتف خالد بن الوليد بمن معه خلف جبل الرماة وقتلوا من بقى عليه وعلى رأسهم عبدالله بن جبير الذي بقى في موقعه ومعه عشرة من الرماة والذي ذكَر أصحابه وهم ينزلون تاركين مواقعهم بوصية رسول الله عليه الصلاة والسلام ولكنهم لم يستجيبوا له…

وتروي لنا ساحة أحد بأن الجيشين قد اشتبكا بعد نزول الرماة ومناداة ذلك الصارخ بقتل نبي الأمة عليه الصلاة والسلام وأحيط بالمسلمين من أمامهم ومن خلفهم ودبت فوضى كبيرة بين الصفوف وانخفضت الروح المعنوية في جيش المدينة ولم يرفع تلك الروح إلا صوت النبي صلى الله عليه وسلم على سفح أحد متترساً به وهو ينادي: (أنا رسول الله .. هلموا إلي .. أنا رسول الله(.. ، وجلجل صوت عبدالرحمن بن عوف وردد صداه أحد وهو ينادي: (يا معشر المسلمين أبشروا فهذا رسول الله (..

وكررها ابن عوف مراراً حتى سمعه من في الميدان ويبرز رسول الله وقد كسرت ثنايا ابن عوف وجرح 20 جرحاً..

اتجه المسلمون إلى الصوت وشكلوا مركز قيادة جديد ودارت معركة طاحنه حول نبي الهدى عليه الصلاة والسلام ووقف أبو بكر وعلي بن أبي طالب وسعد بن عباده ونسيبة بنت سعد المازنية وسعد بن أبي وقاص وسهل بن حنيف وأبو دجانة وأبو طلحة زيد بن سهل وغيرهم..  وقفوا تروساً يحمون نبيهم ويقفون دون إصابته..وكان جبل أحد هو الحصن الذي اختاره الرسول في أخر هجوم للمشركين بقيادة أبي سفيان وخالد بن الوليد ولم يستطع أحد من أولئك أن يصل إلى الرسول ولما يئس أبو سفيان وقادته من ذلك هدأت المعركة واكتفوا بما تحقق لهم في ذلك اليوم.. وكان هدفهم قتل النبي ولكنهم لم يستطيعوا الوصول إليه…

انتهت المعركة بحصيلة 74 شهيداً من المسلمين و 24 قتيلاً من قريش على أرجح الأقوال.. وصار كل الفريقين يضمد جراحه وفي اثناء ذلك علا صوت أبي سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ فلم يجبه أحد فالتفت لقومه وقال: إن هؤلاء قد قتلوا.. فقام عمر بن الخطاب  وقال : (كذبت يا عدو الله قد ابقى الله ما يخزيك..  فقال أبو سفيان أعلى هبل..  فقال عمر بأمر النبي عليه السلام الله أعلى وأجل..  قال  أبو سفيان لنا العزا ولا عزا لكم ..  يوم بيوم بدر والحرب سجال فقال عمر بأعلى صوته: الله مولانا ولا مولى لكم..  لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار فصاح أبو سفيان: (إن موعدكم ببدر العام القادم).فقال الرسول قولوا له: (هو بيننا وبينكم موعد(..

وعلى ميدان أحد انتهت المعركة ورأى الأصحاب أن نبيهم قد كسرت رباعيته وجرحت شفته وشج وجهه الشريف وهو يقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم..) وتنافس الأصحاب في تضميد جراح نبيهم عليه السلام وسمعوا منه الكثير من بشائر الحب والخير والعطاء والمثوبة ومن ذلك.. (من مس دمي دمه لم تصبه النار) عندما مص مالك بن سنان الدم من وجه الحبيب صلى الله عليه وسلم..  _ (من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله) عندما جعل طلحة ظهره موطئاً لقدم رسول الله ليرتقي الصخرة..) وقد قاتل طلحة يوم أحد بسيفين وقال فيه أبو بكر رضي الله عنه: (أما يوم أحد فذهب به طلحة بن عبيدالله..) ..  _ (إرم فداك أبي وأمي..) قالها البشير عليه السلام لسعد بن أبي وقاص وهو يناوله النبل وسعد يرمي الأعداء ولم يخطئ رميه أبداً.. ولم يقلها النبي طوال حياته لغير سعد..

(قتادة بن النعمان أتى إلى النبي وعينه قد وقعت على جبينه فردها عليه السلام فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظراً..) ..  _ أبو دجانة انحنى على رسول الله عليه الصلاة والسلام ليقع النبي على ظهره دون رسول الله..  _ أنس بن النضر عندما سمع من صاح قتلت محمداً نادى في المسلمين: (إذا قتل الرسول فماذا تصنعون بالحياة بعده..  قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله(.. وقاتل ابن النضر حتى قتل ووجدت في جسده أكثر من 70 ضربة فما عرفه إلا أخته عرفته ببنانه.. _ (أبو عبيدة بن الجراح نزع الحلقتين من وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ساقط الثنيتين..) وهذا شرف فاخر به أبو عبيدة حتى مماته..  _ (إن أخاك في الفردوس الأعلى..) قالها عليه الصلاة والسلام في عبدالله بن عمرو بن حرام عنما سأل ابنه جابر بن عبدالله بن حرام عنه..

وفي ساحة ميدان أحد وقف عليه السلام على عمه حمزة وقد مثل به فقال: (لن أصاب بمثلك أبداً.. ما وقفت موقفاً أغيظ إلي من هذا) ثم قال: (جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة أسد الله وأسد رسوله..) ..  _ (اللهم الق سعد بن الربيع وأنت راض عنه..) قالها عليه السلام عندما كلف محمد بن مسلمة ليأتيه بخبر سعد بن الربيع فوجده في الرمق الأخير وتحامل سعد على نفسه وقال لابن مسلمة: ابلغ رسول الله مني السلام وقل له: (إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما يجزى به نبياً عن أمته..) وأبلغ قومك الأنصار السلام وقل لهم: (الله الله وما عاهدتم عليه رسول الله ليلة العقبة والله مالكم عذر عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف..)

أم سعد بن معاذ كبشة بنت رافع زوجة معاذ بن النعمان أتت مسرعة يوم أحد والرسول على فرسه وابنها سعد ماسك بعنان الفرس ولما اطمأنت على رسول الله قالت له: (أما إذ رأيتك سالماً فقد هانت المصيبة..) فعزاها عليه السلام في ابنها معاذ وقال: (يا أم سعد أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعاً وقد شفعوا في أهليهم..) فقالت: (رضينا يا رسول الله ومن يبكي عليهم بعد هذا..)

وسجلت ساحات أحد بطولات لبعض نساء المسلمين وعلى رأسهن السيدة عائشة بنت أبي بكر وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم سليم بنت ملحان الخزرجية وأم عمارة نسيبة بنت كعب الخزرجية وأم سليط الأنصارية وحمنة بنت جحش زوجة مصعب بن عمير وكان لهن الدور الكبير في ذلك اليوم لسقي المجاهدين وعلاج المصابين والإجهاز على جرحى المشركين وقال عليه السلام: (ما التفت يميناً ولا شمالاً يوم أحد إلا وأنا أرى أم عمارة تقاتل دوني..) وقتلت في ذلك اليوم رجلين من المشركين..

ومن على ساحات أحد أرسل النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب ليعرف وجهة سير الجيش القرشي بعد رحيله من أرض المعركة وقال عليه السلام: (إن ارتحلوا الإبل فهم يريدون مكة وإن امتطوا الخيل فهم يريدون المدينة..) وقال (والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم..) قال علي رضي الله عنه: (فخرجت على آثارهم فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة(..

وفي ساحة ميدان أحد أمر الرسول بدفن الشهداء وقال فيهم: (أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بنحص الجبل..) يعني سفح أحد وفاز الشهداء بقوله عليه الصلاة والسلام وهو يشارك أصحابه بدفنهم (أنا شهيد على هؤلاء..) فما خسر من كان شاهده رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذه الصور وغيرها اختزنتها ساحات أحد وسجلت على أطراف جواد أحد وقباء والخندق على مر العصور والأزمان..  ترويها للأجيال وتتزاحم صورها في أذهان وخيالات الزائر لهذه البقاع المقدسة يعيشها تاريخاً ناطقاً بلغات الزمان والمكان…  إنها منطلق الرسالة ومأرز الإيمان ومدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم…

 

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى